مجمع البحوث الاسلامية
532
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تعالى ، وإجنابه من عبادة الأصنام . ومن الدّليل على كون المراد بالاتّباع هو سلوك سبيله ، قوله في ما يعادله من كلامه : ( ومن عصاني ) فإنّه نسب العصيان إلى نفسه ولم يقل : ومن كفر بك أو عصاك أو فسق عن الحقّ ونحو ذلك ، كما لم يقل : فمن آمن بك أو أطاعك أو اتّقاك وما أشبهه . فمراده باتّباعه : سلوك طريقه والتّديّن بجميع ما أتى به من الاعتقاد والعمل ، وبعصيانه : ترك سيرته وما أتى به من الشّريعة اعتقادا وعملا ، كأنّه عليه السّلام يقول : من تبعني وعمل بشريعتي وسار بسيرتي فإنّه ملحق بي ومن أبنائي تنزيلا أسألك أن تجنبني وإيّاه أن نعبد الأصنام ، ومن عصاني بترك طريقتي كلّها أو بعضها سواء كان من بنيّ أو غيرهم ، فلا ألحقه بنفسي ولا أسألك إجنابه وإبعاده بل أخلّي بينه وبين مغفرتك ورحمتك . ومن هنا يظهر أوّلا أنّ قوله عليه السّلام : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تفسير لقوله : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ إبراهيم : 35 ، بالتّصرّف في البنين تعميما وتخصيصا فهو كتعميم البنين لكلّ من تبعه من جهة وتخصيصه بالعاصين له منهم من جهة أخرى ، فليسوا منه ولا ملحقين به ، وبالجملة هو عليه السّلام يلحق الّذين اتّبعوه من بعده بنفسه ، وأمّا غير متّبعيه فيخلّي بينهم وبين ربّهم الغفور الرّحيم ، كما قال تعالى : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا آل عمران : 68 . وهذه التّوسعة والتّضييق منه عليه السّلام نظير مجموع ما وقع منه ومن ربّه في الفقرة الأخرى من دعائه ، على ما يحكيه آية البقرة : 126 وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ حيث سأل الرّزق أوّلا لأهل البلد ، ثمّ خصّه لمن آمن منهم ، فعمّمه اللّه سبحانه بقوله : ( ومن كفر ) ثانيا . وثانيا : أنّ من الممكن أن يستفاد من قوله عليه السّلام فيمن تبعه : « إنّه منّي » وسكوته فيمن عصاه بعد ما كان دعاؤه في نفسه وبنيه أنّ ذلك تبنّ منه لكلّ من تبعه وإلحاق له بنفسه ، ونفي لكلّ من عصاه عن نفسه وإن كان من بنيه بالولادة ، أو إلحاق لتابعيه بنفسه مع السّكوت عن غيرهم بناء على عدم صراحة السّكوت في النّفي . ولا إشكال في ذلك بعد ظهور الدّليل ، فإنّ الولادة الطّبيعيّة لا يجب أن تكون هي الملاك في النّسب إثباتا ونفيا ، ولا تجد واحدة من الأمم يقتصرون في النّسب إثباتا ونفيا على مجرّد الولادة الطّبيعيّة بل لا يزالون يتصرّفون بالتّوسعة والتّضييق . وللإسلام أيضا تصرّفات في ذلك كنفي الدّعيّ والمولود من الزّنى ، والكافر والمرتدّ ، وإلحاق الرّضيع والمولود على الفراش إلى غير ذلك ، وفي كلامه تعالى في ابن نوح : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ هود : 46 . وثالثا : أنّه عليه السّلام وإن لم يسأل المغفرة والرّحمة صريحا لمن عصاه ، وإنّما عرضهم للمغفرة والرّحمة بقوله : وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لكنّه لا يخلو عن إيماء مّا إلى الطّلب لمن ترك طريقته وسيرته الّتي تعدّ الإنسان للرّحمة الإلهيّة بحفظه من عبادة الأصنام ، وهذا المقدار من المعصية لا يمنع عن شمول الرّحمة وإن لم يكن مقتضيا